علي بن مهدي الطبري المامطيري

108

نزهة الأبصار ومحاسن الآثار

شجرة ، فرآه راهب فقال لميسرة : من هذا الذي معك ؟ فقال : رجل من أهل مكّة ، قال : فإنّه نبيّ ، واللّه ما جلس هذا المجلس بعد عيسى أحد غيره ، فأقبل ميسرة إلى خديجة ، فأخبرها بما قال الراهب له ، وقال لها : إنّي كنت آكل معه حتّى أشبع ويبقى الطعام كما هو ! فدعت خديجة بقناع « 1 » عليه رطب ، ودعت رجالا ورسول اللّه ص ، فأكلوا حتّى شبعوا ، فلم ينقص شيئا ! فقالت له : اخطبني إلى عمّي عمرو بن أسد ، وكان شيخا كبيرا ، ولم يبق من صلب أسد يومئذ غيره ، فانطلق هو وحمزة إليها ، فذبحت شاة واتّخذت طعاما ، ثمّ بعثت إلى عمرو فأكل ، ثمّ سقته ، فلمّا أخذ الشراب مأخذه ، قالت خديجة للنبيّ ص : قل لعمّك فليخطبني إليه في هذا المجلس ، فأتاه أبو طالب ، فخطب إليه خديجة للنبيّ ص فزوّجه ، وذلك قبل نزول الوحي عليه ، وكان له في ذلك الوقت خمس وعشرون سنة ، وخديجة ابنة أربعين سنة « 2 » ، فلمّا ذهب عنه السكر سمع أصواتا ، فقال : ما هذا ؟ فأخبرته ، فقال لخديجة : خدعتني ، فقالت : يا هذا ، هو واللّه كفوك ، فأتمّ ذلك ورضي به . وكانت خديجة قبله عند أبي هالة هند بن النبّاش ، ثمّ خلف عنها بعده عتيق [ بن عائذ ] « 3 » .

--> - حجّته ، ومن سعادة خديجة ما وفّقت له من تكرمته وإيثاره وتقدمته ، وما اتّفق لها من الشرف بزوجيّته ، والحظوة بالمخالطة له ، ثمّ تصديقه والمسارعة إلى الإيمان به ، واتّباعه على دينه بعد أن تمكّن عندها من تظاهر الأخبار عن نبوّته ، والتبشير بنجومه ، ودعائه إلى ربّه ، وتبليغ شريعته ، والوعد بثوابه والتوعّد بعطائه ، وما تقدّم من إلقاء ورقة بن نوفل إليها وتقرير من أمره عندها ، صلوات اللّه عليه وسلامه ، ورضوان اللّه وسلامه عليها . ( 1 ) . القناع : الطبق من عسب النخل يوضع فيه الطعام . لسان العرب ، مادّة : ( قنع ) . ( 2 ) . بل دون الأربعين بكثير كما يعرف من عدد أولادها ، وقد ذكر البلاذري في أنساب الأشراف 1 : 108 أقوالا في ذلك ، منها : أنّها كانت ابنة ثمان وعشرين سنة . ( 3 ) . راجع الذرّية الطاهرة للدولابي : 26 ، والمعجم الكبير 22 : 154 و 445 ، والطبقات لابن سعد 8 : 14 ، وتاريخ دمشق 3 : 192 ، وأسد الغابة 5 : 434 ، والمحبّر : 78 .